من احمد عصيد إلى عبد الإله بنكيران: متى استغفلتم الناس ؟

07.07.2011   |  أحمد عصيد    |    Lakome

 لم يكن في نيتي أن أراسلكم عبر هذا الخطاب المفتوح لعلمي بعدم جدوى ذلك، فالحديث مع شخص بلغ به الهياج والنزقية وخفة اللسان حدّ الخروج عن طور التعقل، ومجاوزة حدود واجب التحفظ الذي يَلزَم كلّ زعيم سياسي لا يعبّر عن رأي شخصي معزول، بقدر ما يعكس توجّه تنظيم بكامله، هو حديث يجعل المرء يخشى على نفسه من الوقوع في ميوعة لا يرضاها لنفسه، وإن كان يبدو أنها قد أصبحت من مقومات العمل السياسي بالمغرب لدى بعض زعماء آخر زمن، كالسيد زيان والسيد شباط وكمثل شخصكم الذي نجح في أن يصبح موضوع استهجان الطبقة السياسية وقوى المجتمع المدني، بعد أن أصبحت تصريحاتكم موضوع تندّر في المجالس

مشكلتكم السيد الأمين العام أنكم تعتقدون اعتقادا راسخا ومعكم بعض الميحيطين بكم أنّ شعبوية خطابكم المؤسس على المغالطة والتدليس وتحريف الحقائق واستغباء الجمهور والإنبطاح على أبواب السلطان حدّ تقبيل الأرض ولعق الحذاء، هي خير وسيلة لضمان مكانة للحزب في سراديب المخزن الذي قدمتم أنفسكم كحماة لـ »ثوابته »، التي يعلم جميع الديمقراطيين في الداخل والخارج بأنها « ثوابت » الإستبداد وثقافة العبيد، التي تعوق بنجاح أي تطور ديمقراطي، وليست أبدا ثوابت الشعب المغربي الذي عاش على مدى قرون طويلة ثقافة التنظيم الديمقراطي المحكم الذي يوازن بين الدين والدنيا بعقلانية فريدة

وقد سقط القناع عن وجهكم عندما عبّرتم عن مدى غبطتكم وسعادتكم لنجاحكم في تقديم الخدمة للوبيات الإستبداد في الدولة، أولائك الذين لم يعودوا يخفون إصرارهم على استعمال الدين في المؤسسات بغرض إجهاض التحول الجاري نحو دولة المؤسسات الفعلية، التي يستحقها المغرب بعد أزيد من نصف قرن من التردّد والمدّ والجزر، وأعطيتم بذلك دليلا ساطعا على أنه من المستحيل المرور إلى الديمقراطية بدون علمنة حاسمة تضمن حياد المؤسسات تجاه الدين وعقائد الأفراد

كما سقط القناع عن وجهكم عندما عبّرتم بأسلوب غاية في السخافة وقلة الذوق، وعن قدر كبير من الجهل بتاريخ بلدكم، عن موقفكم من الحرف الأمازيغي تيفيناغ، وارتكبتم بذلك خطأ فادحا اضطرّكم إلى الإعتذار للأمازيغ، بعد أن اكتشفتم ـ أنتم الغرباء عن المغرب العميق ـ بأن الحرف ليس مجرّد وسيلة للكتابة أشبه لديكم بـ »الشينوية »، بل هو رمز للهوية العريقة لهذه الأرض الطيبة، التي ما زالت تحتفظ بهذه الحروف منقوشة على الصخور الصلبة علامة الخلود الأبدي، فمشكلتكم كما هو شأن بعض الذين اكتشفوا الوطنية المغربية عام 1930، أنكم لا تشعرون بالإنتماء إلى هذه الأرض بقدر ما تنتمون إلى إيديولوجيات عابرة للقارات، لن تجلب لوطننا غير الخراب والفتن

أكتب إليكم لأذكركم بأن الدستور المغربي الحالي ـ رغم تحفظنا على مضامينه الملتوية ـ قد تجاوز مركزية الذات العربية، وأصبح بتنصيصه على تعدّدية مكونات الهوية ملزِما لكل المغاربة أن يعرفوا بلدهم بكل ما فيه، وأن يدركوا بأنهم إن كان بعضهم لا يعرفون عنصرا ما بسبب سياسات التجهيل السابقة، فإنّ ذلك لا يعني أن ذلك العنصر غير موجود أو أنه ينتمي إلى « الصّين »، لأنّ هؤلاء ليسوا مركز العالم، ولأن الوطن يزخر بذخائر مجهولة ستكشف عنها الأيام بعد أن تزول غشاوة الجهل عن النفوس والعقول

وفي انتظار أن نعود إلى النقاش اللغوي العلمي والسياسي، ليس للتنازل عن مكاسبنا التاريخية التي لا تنازل عنها أبدا، بل من أجل أن يفهم بعض الذين لم يفهموا بعدُ الرهانات الجديدة، أذكر بما حدث ويحدث في ليبيا، حيث ظلّ أمازيغ هذا البلد الجريح من وطأة الإستبداد الأهوج متمسّكين بالحروف الأمازيغية كآخر ما تبقى لهم رمزا لهويتهم العريقة، بعد أن صادر النظام المنهار حقهم في الكتابة والإبداع وحتى الغناء بلغتهم، وجعل ذلك تهمة توجب التعذيب والقتل، وهاهم الثوار اليوم قبل تحرير بلدهم بالكامل، يعيدون الإعتبار لهذه الحروف التي احتقرتموها وسخرتم منها، لأنكم لم تتحلوا بالحسّ السياسي الكافي لمعرفة دلالة الرموز التاريخية المتجذرة، وهي حروف سيكون لها بلا شك شأن ومستقبل في كل بلدان الشمال الإفريقي، لأن تجذرها وقوة رمزيتها يجعلانها أقوى من أن تهان على أرضها و في وطنها

قد يكون من الحكمة أن تعتذر للأمازيغ، وقد يكون ذلك فضيلة إن كان نابعا من شعوركم بمقدار الخطإ الذي ارتكبتموه، لكن سيكون حكمة أكبر أن تصونوا لسانكم من العثرات التي منشأها التهوّر، ومن الوقوع في محاذير المسّ بحقوق الناس وحرياتهم، لأن هؤلاء لن يسمحوا لكم أبدا بذلك

إن الشعوبية السطحية لا تنفع في السياسات الكبرى، وإن كانت تحقق بعض المتعة الخادعة والمؤقتة، لأن الذين يصفقون للتصريحات الخرقاء، سرعان ما ينقلبون على صاحبها بمجرد معرفتهم باتجاه الرياح. كما أذكركم بأن إقبال الصحف على تصريحات الزعماء الغوغائيين، علاوة على أنه يتمّ من باب الإثارة والرغبة في إمتاع القراء وإتحافهم بما هو شاذ أو غرائبي، إلا أنه يهدف أيضا بلا شكّ إلى تعريفهم بما وصلت إليه الحياة السياسية من تردّي

ختاما أدعوكم من باب « النصيحة » التي تدخل عندكم ضمن أخلاق « الدعوة »، أن تأخذوا عن سلفكم في الأمانة العامة للحزب، الدكتور سعد الدين العثماني، بما يتحلى به من حصافة فكر ودماثة خلق واتزان في المواقف، أن تأخذوا عنه شيم التعامل في قضايا النقاش العمومي، وروح البحث وفضول المعرفة ومبادئ احترام الغير

Cet article, publié dans Maroc, est tagué , , , , , , , . Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s