ضريبة الذل بقلم سيّد قطب / فهمي هويدي

11.04.2010 |      الحوار نت

كتب سيد قطب رحمه الله مقالة بعنوان [ ضريبة الذل] ما أعظم تصويرها لحالنا الآن !

ذكر الكاتب الإسلامي المعروف: فهمي هويدي أن سيد قطب – رحمه الله كتب هذه المقالة في منتصف يونيو 1952م ، وبعدها بخمسة أسابيع قامت ثورة يونيو1952.

ولا أدري أكانت هذه المقالة تحذيرا مما هو آت ، أم تحذيرا مما هو قائم ، أم منهما معا؟

وقبل أن أسوق مقال سيد قطب أسوق كلمات لفهمي هويدي في آخر مقالة له بعنوان [آفاق الغضب والحيرة في مصر] قال:  » إن كثيرين من الناشطين في الحياة السياسية أصبحوا يترددون في دفع ضريبة استعادة الحرية، التي هي مكلفة في كل أحوالها. وتكون النتيجة أن ترددهم هذا يطيل من أجل الاستبداد، فيدفعون في ظل الذل ثمنا من حاضرهم ومستقبلهم أضعاف ما كان يتعين عليهم دفعه لاستعادة حريتهم. ولست أنسى أن الشهيد سيد قطب رحمه الله كان قد كتب مقالة ساخنة بهذا المعنى في منتصف شهر يونيو عام 1952 كان عنوانها «ضريبة الذل». وشاءت المقادير أن تنطلق ثورة يوليو/تموز بعد ذلك بخمسة أسابيع. إذا سألتني ما العمل ومن أين يأتي الأمل، فردي أنه ليس لها من دون الله كاشفة.

وإليكم مقال سيد قطب

                                                   ضريبة الذل                                             

بعض النفوس الضعيفة يخيل إليها أن للكرامة ضريبة باهظة، لا تطاق، فتختار الذل والمهانة هرباً من هذه التكاليف الثقال، فتعيش عيشة تافهة، رخيصة، مفزعة، قلقة، تخاف من ظلها، وتَفْرَقُ من صداها، « يحسبون كل صيحة عليهم » ، « ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ».

هؤلاء الأذلاء يؤدون ضريبة أفدح من تكاليف الكرامة، إنهم يؤدون ضريبة الذل كاملة، يؤدونها من نفوسهم، ويؤدونها من أقدارهم، ويؤدونها من سمعتهم، ويؤدونها من اطمئنانهم، وكثيراً ما يؤدونها من دمائهم وأموالهم وهم لا يشعرون.

وإنهم ليحسبون أنهم ينالون في مقابل الكرامة التي يبذلونها قربى ذوي الجاه والسلطان حين يؤدون إليهم ضريبة الذل وهم صاغرون، ولكن كم من تجربة انكشفت عن نبذ الأذلاء نبذ النواة، بأيدي سادتهم الذين عبدوهم من دون الله، كم من رجل باع رجولته، ومرغ خديه في الثرى تحت أقدام السادة، وخنع، وخضع، وضحى بكل مقومات الحياة الإنسانية، وبكل المقدسات التي عرفتها البشرية، وبكل الأمانات التي ناطها الله به، أو ناطها الناس … ثم في النهاية إذا هو رخيص رخيص، هَيِّنٌ هَيِّن، حتى على السادة الذين استخدموه كالكلب الذليل، السادة الذين لهث في إثرهم، ووَصْوَصَ بذنبه لهم، ومرغ نفسه في الوحل ليحوز منهم الرضاء !

كم من رجل كان يملك أن يكون شريفاً، وأن يكون كريماً، وأن يصون أمانة الله بين يديه، ويحافظ على كرامة الحق، وكرامة الإنسانية، وكان في موقفه هذا مرهوب الجانب، لا يملك له أحد شيئاً، حتى الذين لا يريدون له أن يرعى الأمانة، وأن يحرس الحق، وأن يستعز بالكرامة، فلما أن خان الأمانة التي بين يديه، وضعف عن تكاليف الكرامة، وتجرد من عزة الحق، هان على الذين كانوا يهابونه، وذل عند من كانوا يرهبون الحق الذي هو حارسه، ورخص عند من كانوا يحاولون شراءه، رخص حتى أعرضوا عن شرائه، ثم نُبِذَ كما تُنْبَذُ الجيفة، وركلته الأقدام، أقدام الذين كانوا يَعِدُونه ويمنونه يوم كان له من الحق جاه، ومن الكرامة هيبة، ومن الأمانة ملاذ.

كثير هم الذين يَهْوُونَ من القمة إلى السَّفْح، لا يرحمهم أحد، ولا يترحم عليهم أحد، ولا يسير في جنازتهم أحد، حتى السادة الذين في سبيلهم هَوَوْا من قمة الكرامة إلى سفوح الذل، ومن عزة الحق إلى مَهَاوي الضلال، ومع تكاثر العظات والتجارب فإننا ما نزال نشهد في كل يوم ضحية، ضحية تؤدي ضريبة الذل كاملة، ضحية تخون الله والناس، وتضحي بالأمانة وبالكرامة، ضحية تلهث في إثر السادة، وتلهث في إثر المطمع والمطمح، وتلهث وراء الوعود والسراب ….. ثم تَهْوِي وتَنْزَوِي هنالك في السفح خَانِعَةً مَهِينَة، ينظر إليها الناس في شماتة، وينظر إليها السادة في احتقار.

لقد شاهدتُ في عمري المحدود – ومازلت أشاهد – عشرات من الرجال الكبار يحنون الرؤوس لغير الواحد القهار، ويتقدمون خاشعين، يحملون ضرائب الذل، تثقل كواهلهم، وتحني هاماتهم، وتلوي أعناقهم، وتُنَكِّس رؤوسهم …. ثم يُطْرَدُون كالكلاب، بعد أن يضعوا أحمالهم، ويسلموا بضاعتهم، ويتجردوا من الحُسنَيَيْن في الدنيا والآخرة، ويَمضون بعد ذلك في قافلة الرقيق، لا يَحُسُّ بهم أحد حتى الجلاد.

لقد شاهدتهم وفي وسعهم أن يكونوا أحراراً، ولكنهم يختارون العبودية، وفي طاقتهم أن يكونوا أقوياء، ولكنهم يختارون التخاذل، وفي إمكانهم أن يكونوا مرهوبي الجانب، ولكنهم يختارون الجبن والمهانة …. شاهدتهم يهربون من العزة كي لا تكلفهم درهماً، وهم يؤدون للذل ديناراً أو قنطاراً، شاهدتهم يرتكبون كل كبيرة ليرضوا صاحب جاه أو سلطان، ويستظلوا بجاهه أو سلطانه، وهم يملكون أن يَرْهَبَهم ذوو الجاه والسلطان! لا ، بل شاهدت شعوباً بأَسْرِها تُشْفِقُ من تكاليف الحرية مرة، فتظل تؤدي ضرائب العبودية مرات، ضرائب لا تُقَاس إليها تكاليف الحرية، ولا تبلغ عُشْرَ مِعْشَارِها، وقديماً قالت اليهود لنبيها « يا موسى إن فيها قوماً جبارين وإنا لن ندخلها أبداً ماداموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هنا قاعدون » فأَدَّتْ ثمن هذا النكول عن تكاليف العزة أربعين سنة تتيه في الصحراء، تأكلها الرمال، وتذلها الغربة، وتشردها المخاوف…. وما كانت لتؤدي معشار هذا كله ثمناً للعزة والنصر في عالم الرجال.

إنه لابد من ضريبة يؤديها الأفراد، وتؤديها الجماعات، وتؤديها الشعوب، فإما أن تؤدى هذه الضريبة للعزة والكرامة والحرية، وإما أن تؤدى للذلة والمهانة والعبودية، والتجارب كلها تنطق بهذه الحقيقة التي لا مفر منها، ولا فكاك.

فإلى الذين يَفْرَقُونَ من تكاليف الحرية، إلى الذين يخشون عاقبة الكرامة، إلى الذين يمرِّغُون خدودهم تحت مواطئ الأقدام، إلى الذين يخونون أماناتهم، ويخونون كراماتهم، ويخونون إنسانيتهم، ويخونون التضحيات العظيمة التي بذلتها أمتهم لتتحرر وتتخلص.

إلى هؤلاء جميعاً أوجه الدعوة أن ينظروا في عبر التاريخ، وفي عبر الواقع القريب، وأن يتدبروا الأمثلة المتكررة التي تشهد بأن ضريبة الذل أفدح من ضريبة الكرامة، وأن تكاليف الحرية أقل من تكاليف العبودية، وأن الذين يستعدون للموت توهب لهم الحياة، وأن الذين لا يخشون الفقر يرزقون الكفاية، وأن الذين لا يَرْهَبُون الجاه والسلطان يَرْهَبُهم الجاه والسلطان.

ولدينا أمثلة كثيرة وقريبة على الأذلاء الذين باعوا الضمائر، وخانوا الأمانات، وخذلوا الحق، وتمرغوا في التراب ثم ذهبوا غير مأسوف عليهم من أحد، ملعونين من الله، ملعونين من الناس، وأمثلة كذلك ولو أنها قليلة على الذين يأبون أن يذلوا، ويأبون أن يخونوا، ويأبون أن يبيعوا رجولتهم، وقد عاش من عاش منهم كريماً، ومات من مات منهم كريما

نهاية المقال

وبعد 14 سنة من كتابة هذا المقال في 1966 استشهد سيد قطب وتم اعدامه شنقا في السجن مع بعض رفاقه في عهد جمال عبدالناصر

فلقد عاش سيد قطب كريما ومات كريما

والذل الهوان لمن قام وساعد في شنقه

فحسبنا الله ونعم الوكيل

مصدر الخبر : بريد الــحــــوار نــــت

Cet article, publié dans Maroc, est tagué , , , , , , , , , , , . Ajoutez ce permalien à vos favoris.

5 commentaires pour ضريبة الذل بقلم سيّد قطب / فهمي هويدي

  1. fawzi dit :

    Pourquoi vous avez censure mon commentaire?

    • ... dit :

      Cher Fawzi,

      J’ai déplacé votre commentaire dans la corbeille, car il est offensant et contient des insultes que je ne reproduirai pas ici, hier je vous ai envoyé un mail en privé pour vous expliquer le pourquoi de cette « suppression » mais le mail que vous utilisez sur cet espace est fictif et ne fonctionne donc pas.

      Et comme je vous l’ai suggérée dans ce mail privé que je vous ai envoyé, je vous propose, en s’appuyant sur les écrits de Sayed Qutb, de me prouver l’ensemble de ce dont vous l’avez accusé et ceci de manière contextualisée !!

      En on discutera par la suite.

      Cordialement

      • fawzi dit :

        Je vous remercie d’avoir pris le temps de me repondre.

        Faire l’eloge de Qotb dans le contexte actuel est une injure a l’intellect. Pourquoi? Parce que ce monsieur mettait la foi au dessus de la raison. Regardez autour de vous. Hier, c’est Oslo. Avant, c’est Mumbai. Sans parler des attaques quotidiennes des gens de foi au Pakistan ou en Iraq.

        Il faut le dire: Qotb est responsable des tentatives modernes de raviver la culture d’Arabie du 7eme siecle.

        Pour ce qui est de caractere offensant de mon commentaire, ce n’est pas etonnant. Dans le contexte ou boire un verre d’eau en publique represente un acte offensant pour les musulmans, il est normal que tout ce qui ne rentre pas dans une certaine vision du monde islamistes soit percu comme offensante. Il suffit de faire des dessins d’un certain mohammed pour que tout les musulmans crient a l’offense, a l’injure et pour provoquer des attaques a la bombe, des incendies et des meurtres.

        Ayant lu Qotb de A a Z (depuis l’age de 11 ans) et ayant moi meme souscris a sa facon de voir les choses a une epoque, ses ecrits sur les apostats, les juifs, les homosexuels et les penseurs libres en general sont infinimment plus offensants et injurieux que ce que contenait mon commentaire censure.

        Bien a vous.

        Fawzi Belyazid

  2. dima dit :

    … pourtant, à la lecture de sa chronique, je ne la trouve pas
    imprégnée de faits religieux ou sous-entendu ayant trait à la
    foi islamique. Le tout est résumé dans la relation entre le
    gouverné et le gouvernant en ayant en ligne de mire, le prix
    de la liberté et de la dignité.

    Je ne souhaiterais pas abuser mais elle fait penser à
    l’écrit intitulé « Indignez vous » de Hessel. Ne pas courber
    l’échine, ne pas subir, naitre libre pour vivre libre et digne…

  3. alawi dit :

    رايت كل هذا وماذا فعلت انت اذن

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s