عسكر تركيا في قبضة مدنيّيها

30.07.2011     |    فاطمة كايابال, أرنست خوري   |     صحيفة أخبار العالم 



عادةً ما ينفّذ جنرالات الجيش الانقلابات العسكرية على الحكام السياسيين، وخصوصاً في تركيا، لكن يوم أمس حصل ما يشبه عكس ذلك، إذ نفّذ رجب طيب أردوغان ورفاقه ما يشبه الانقلاب على جنرالات الجيش، الذين حاولوا إثارة أزمة سياسية حادة انقلبت نتائجها سريعاً عليهم، ليصبح لتركيا قائد جديد للجيش يتوقع أن تكون علاقته مع الساسة المدنيين ألطف من السابق.

هي الحكاية نفسها مجدَّداً. عسكر تركيا يفجّرون أزمة سياسيّة حادّة مع السلطة السياسية على خلفية سؤال أبدي عمره من عمر الجمهورية: لمَن يعود القرار الأول في البلاد؟ للجيش أم للسلطة السياسية ممثَّلة برئاسة الجمهورية والبرلمان والحكومة؟ سؤال اتّخذ للوهلة الأولى، مساء أمس، طابع الاستقالة الجماعية قبل أن يتحوّل في الإعلام التركي الرسمي إلى طلب تقاعد قادة جميع الجيوش التركية دفعة واحدة، الجيش البري والجوي والبحري مع رئيس الأركان عشق كوشانر. 

في جميع الأحوال، أكانت استقالة أم طلب تقاعد، فإنّ الخطوة تُعدّ الأولى من نوعها منذ تأسيس الجمهورية عام 1923، وتأتي عشية انطلاق الاجتماعات السنوية التي تعقد في شهر آب من كل عام لـ «المجلس العسكري الأعلى» برئاسة رجب طيب أردوغان، لإقرار الترقيات العسكرية لكبار حملة الرتب، لكنّ ترقيات العام الجاري اتخذت طابعاً مميزاً، إذ أصرّ جنرالات الجيش على تحدّي القضاء والسلطة السياسية في البلاد، بهدف ترقية 41 ضابطاً من أصل 195، من بينهم جنرال يحمل أربع نجوم كان يفترض أن يكون القائد المقبل لسلاح الجو، يمثلون حالياً أمام المحاكم والتحقيق في جرائم العصر التركي: الاشتباه في تورُّطهم بمخطّطات عصابات «إرغينيكون» للانقلاب على حكومة حزب «العدالة والتنمية»، وخصوصاً عام 2003. رفض أردوغان ورفاقه توقيع لائحة الترقيات، فما كان من الجنرالات الأربعة إلا طلب الاستقالة أو التقاعد، فسارع أردوغان إلى تنفيذ ما يشبه الانقلاب المدني على الرؤوس الكبيرة للجنرالات، معيّناً بسرعة البرق قائداً جديداً لسلاح البر سيصبح في غضون ساعات رئيساً لأركان الجيش، هو قائد الشرطة الجنرال نجدت أوزل، الذي يتوقع أن يكون متعاوناً مع أردوغان، بدليل أن أوزل كان الجنرال الوحيد الذي رفض التقدم بطلب الاستقالة أو التقاعد شأنه شأن زملائه الأربعة، ووافق على تعيينه بمرسوم من أردوغان وموافقة من الرئيس عبد الله غول على وجه السرعة قائداً لسلاح البر، ونائباً لرئيس الأركان، إفساحاً في المجال لتعيينه رئيساً جديداً لأركان الجيش.

هذا هو السبب المباشر للأزمة التي حُسمت في العام الماضي، وفي الظروف نفسها، لمصلحة السلطة السياسية أيضاً، حين رفض أردوغان، ودعمه في حينها الرئيس غول، ترقية الضباط الموقوفين أنفسهم، في ما وُصف يومها بأنه ترحيل للأزمة إلى آب 2011… وهكذا حصل بالفعل. أما جوهر القضية، فأكبر من مسألة ترقيات، إنه الصراع بين السلطة المدنية وعسكر تركيا. صراع تشير متابعة تاريخه إلى أنه بات يتجه إلى مصلحة السلطة المدنية إلى حد كبير، بدليل أن خطوة الاستقالة الجماعية أو طلب التقاعد، بما هو قرار تراجع إلى الخلف، بعكس الخطوات الهجومية المعروفة عن الجيش التركي، هي غير مسبوقة في تاريخ الجمهورية، ويمكن اعتبار أنها واحدة من آخر حبات عنقود تراجع الوزن السياسي للجيش، أو فصل أخير يمكن أن يطول سنوات إضافية في المعركة على السلطة بين الجيش والسياسيين. فصل أخير انطلاقاً من قاعدة أنّ مسلسل تدهور الوزن السياسي للمؤسسة العسكرية فُتح منذ تسلم إسلاميو «العدالة والتنمية» الحكم فعلياً قبل أقل من عشر سنوات، وقد شهد هذا المسلسل جولات وصولات بلغت ذروتها السلبية بالنسبة إلى الجيش في فضيحة «إرغينيكون» عام 2008، حين أحيل للمرة الأولى ضباط كبار وجنرالات الصف الأول، من متقاعدين وعاملين في الخدمة، على التحقيق والمحاكم بعدها. 

 وجاء اعتراف كوشانر، في وقت متأخر من المساء، ليؤكد شعور الجنرالات بالعجز ذاك، إذ نقل عنه موقع صحيفة «حرييت» على الإنترنت تأكيده أنه ترك منصبه «احتجاجاً على احتجاز ضباط من الجيش»، في إشارة إلى الضباط الـ 195 المعتقلين في السجون، وليدحض بذلك رواية التقاعد الإرادي التي روّجها الإعلام التركي الحكومي. وقال كوشانر «لقد انسحبت لأنني أصبحتُ عاجزاً عن إتمام واجباتي في حماية حقوق ضباطي كرئيس للأركان».

Cet article, publié dans Moyen-Orient et Afrique du Nord (MENA), est tagué , , , , , , , , , , . Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Un commentaire pour عسكر تركيا في قبضة مدنيّيها

  1. ... dit :

    02.08.2011 | أرنست خوري | صحيفة الأخبار

    «المجلس العسكري الأعلى»: الكلمة لأردوغان ولغول

    ا… 9 من أصل 16 جنرالاً مشاركون… وعدم استبعاد استقالات جدي
    بدأت القيادة السياسية التركية، أمس، بحصد نتائج نجاحها في حسم معركة أساسية خاضتها يوم الجمعة مع الحرس القديم للجيش التركي؛ إذ من المتوقع أن يكون القرار الحاسم في تعيينات «المجلس العسكري الأعلى» وترقياته بين أيدي رجب طيب أردوغان وعبد الله غول

    للمرة الأولى في تاريخ الجمهورية التركية، افتُتحت اجتماعات «المجلس العسكري الأعلى» المكلف اتخاذ كافة قرارات الترقيات في المؤسسة العسكرية، أمس، بغياب أرفع ستة جنرالات في الجيش التركي بعد «زلزال الأربع نجوم» يوم الجمعة، حين استقال كل من رئيس الأركان عشق كوشانر وقادة جيوش البر (الذي ينص العرف على ترقيته دائماً لمنصب قائد الجيش) والجو والبحر.

    وإضافة إلى الجنرالات الأربعة المستقيلين أو المتقاعدين (بحسب الرواية الرسمية)، تغيّب جنرال خامس هو قائد أكاديمية الحرب بيلغين بالانلي الذي اعتُقل في أيار الماضي بتهمة التخطيط للانقلاب على الحكومة، رغم أن بالانلي سيرسل اقتراحات ترقياته من داخل زنزانته وفقاً لما تسمح به القوانين التركية. بذلك، ينعقد «المجلس العسكري الأعلى» في دورة 2011 بحضور 9 جنرالات من أصل 16، بما أن قائد الجيش في بحر إيجه الجنرال نصرت تاشدلر ينتظر قرار المحكمة بالتجاوب مع مذكرة التوقيف التي أصدرها الادعاء العام بحقه (من ضمن توقيف 22 ضابطاً) قبل أيام بتهمة إنشاء مواقع إلكترونية تحرّض على الحكومة. هكذا، جلس رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان وحده، في سابقة تاريخية أيضاً، على رأس تلك الاجتماعات التي تمتد طوال أربعة أيام في مطلع شهر آب من كل عام، بينما اكتفى رئيس الأركان بالوكالة نجدت أوزل بمعاونته بانتظار تعيينه رئيساً للأركان بالأصالة.

    وقد سبق افتتاح الاجتماع الذي شارك فيه وزير الدفاع عصمت يلمظ، زيارة أعضاء المجلس العسكري وأردوغان لقبر مصطفى كمال في تلة أنيتكبير بأنقرة مثلما يقتضي البروتوكول، مع تسجيل سابقة تاريخية جديدة تمثلت بإلغاء الغداء البروتوكولي بسبب تزامن بدء شهر رمضان مع افتتاح الاجتماعات. وتلا زيارة أنيتكبير اجتماع ثنائي بين أردوغان وقائد سلاح البر، رئيس الأركان بالوكالة نجدت أوزل، حيث من المفترض أن يكون الرجلان قد اتفقا على مجموعة من التعيينات والترقيات العسكرية بالتنسيق مع الرئيس عبد الله غول الذي استبق الاجتماع بتكريس أولوية قرارات السلطة السياسية على العسكر بقوله إنه لن يوقّع أي مرسوم «وأنا مغمض العينين». ويعلن غول لائحة الترقيات والتعيينات الجديدة يوم الخميس المقبل، في آخر أيام اجتماع المجلس العسكري الأعلى حيث ينتظر أن يكون الجنرال نجدت أوزل الرئيس الجديد للأركان حتى عام 2015. وأجمعت الصحف التركية على أنّ «معركة التعيينات» ستتمحور حول هوية قادة الجيوش الثلاثة، البرية والجوية والبحرية؛ إذ إنّ استقالة الجنرالات الأربعة يوم الجمعة لا تكفي للجزم بأن «الحرس القديم» اختفى من المجلس العسكري. والجديد في الدورة الحالية من اجتماعات «المجلس العسكري الأعلى» أن اقتراح أسماء الضباط سيكون مناطاً بأردوغان، لا برئيس الأركان مثلما جرت العادة، بحسب ما كشف عنه نائب رئيس الحزب الحاكم حسين جليك الذي قال لصحيفة «ملييت» إنّ «رئيس الأركان يمكنه اقتراح بعض الأسماء، لكن الكلمة الأخيرة تعود إلى رئيس الحكومة»، وهو ما رأت صحيفة «حرييت» بأنه يعني أنّ «قائد القوات البرية (أهم منصب عسكري بعد رئاسة الأركان) سيكون من حصّة أردوغان وغول».

    ولم تستبعد بعض الصحف التركية احتمال أن تؤدي بعض التعيينات إلى استقالات جديدة إذا تجاوزت الحكومة التسلسل الهرمي التقليدي لإبعاد بعض الضباط (انظر الكادر). ويتضمن جدول أعمال اجتماعات الأيام الأربعة ترقية بعض الضباط، بالإضافة إلى تعيين جنرالات وأدميرالات جدد في بعض المناصب، ومناقشة بعض التصرفات «غير الأخلاقية» أو «غير المنضبطة» وتقاعد ضباط.

    يُتوقَّع تعيين الأدميرال مراد بيلغل قائداً للقوات البحرية، ومحمد أرتن للقوات الجوية وأحد الجنرالين سرفيت يوروك أو يلشين أتامان لقيادة الشرطة بدل نجدت أوزل. أما بالنسبة إلى منصب قائد القوات البرية، فهناك 4 جنرالات مرشّحين: سالديراي بيرك، وأصلان غونر، وحايري كيفريك أوغلو وبكير كاليونسو. لكن 3 من هؤلاء لديهم مشاكل مع القيادة السياسية: بيرك يرجَّح أن يسعى أردوغان إلى إحالته على التقاعد نظراً لملاحقته بدعوى قضائية. أما كيفريك أوغلو، فمشكلته مع الرئيس غول؛ لأنه رفض مصافحة زوجته خير النساء غول لأنها محجبة، وهو ابن شقيق القائد الأسبق للجيش حسين كيفريك أوغلو، المعروف بعدائه للإسلاميين. كذلك حال الجنرال غونر الذي لا يودّ الرئيس غول توليه المنصب العسكري الثاني من حيث الأهمية.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s