المصلحة العامة: أن نعيش كلنا على الأرض بكرامة أو نحرقها بمن فيها

02.02.2013   |  الدُغبوش  |    eplume.wordpress.com

dignity justice
وأنا أتجول في هذه المدينة، أكَادير،تأملتُ هذه الصناديق التي يسكن فيها هؤلاء البشر،طوابق كثيرة متعددة تتدلى منها صحون البارابول،و نوافذ صغيرة ، في أطرافها تُنشر ملابس و أصص نباتات مسكينة.
داهمتني أسئلة كثيرة، كيف يسكن البشر هناك و كيف يتحملون هذه الحياة؟ كيف يعيشون بين أربعة جدران..يا للبؤس..وما الفائدة؟
أنا لا أملك شيئا، لا شقة و لا سيارة، ولا أطمع إلى أن أمتلك ما سبق ذكره يوما، أعيش حيناً في منزل أمي و أحياناً كثيرة أعيش في حذائي،وليس لي إلا هذا الحاسوب و خمس سروايل جينز وجاكتتين وكتب لا أمانع في إهدائها.
رغم أني عملت لسنوات كثيرة، فإن نفسي تعفّ عن التملك و الاذخار،حتى حسابي في البنك لا أترك فيه ريالا واحدا،حتى إن عجزت عن إخراج مبلغ أقل من 100 درهم ،عبأت به الهاتف الذي يملكني و أملكه و الذي في الحقيقة لم أشتره، بل وجدته يوما أو قل وجدني على طاولة فارغة في حديقة،ولم أجد مالكه حينهابعد طول بحث و انتظار.
تساءلت،ما الفائدة أصلا من أن يجتمع البشر في هذه المجموعات ؟ قرى ودواوير و أحياء و مدن هي البؤس نفسه…أليس من الأفضل أن يتفرقوا فُرادى في الأرض يعيشون بالتعاون مع الحيوانات،أو بالزراعة وبالقطف..
هذه المجتمعات و التجمعات و الحضارة شيء مقيت،حضارةٌ بُنيت على الفولاذ و الجراثيم و السلاح ،كما استخلص جاريد دياموند..
سأُنهي حياتي كما بدأها أجدادي، رُحلاً في خيام،ينتقلون من مكان إلى مكان،حسب المزاج و قبول الطبيعة لهم،مصدّقا على مقطع من النشيد الوطني الموريتاني القديم :
« فَـمَا كـَفى أَوَّلَـنَا..أَلَيْسَ يَكْـفِي الْآخِرَا؟ »
***
تابعت تجوالي في الأحياء الشعبية و الراقية، و لفتت انتباهي سيارات القوم وهم ينظرون إليّ بنصف نظرة ..
هل توجد فعلا أزمة في المغرب؟ هل الأغنياء أغلبية،أم أنه ترف مصطنع،أم هي تلك التي يسميها المحللون الطبقة الوسطى..؟؟
المحامون و المعلمون و كل موظفي القطاع العام و صغار التجار و الفلاحين،الطبقة الوسطى التي تعيش بالكريدي و تتمتع بشراء الوهم و بيعه،كان من الأجدر أن يسموها طبقة وسخى،طبقة كاتمة لأنفاس أي تحرر شعبي،والذي يقول العكس هو يا كانبو يا شفار صغير و يتمنى أن يكون شفار كبير في يوم من الأيام.
طبقة تشبه ورق الطواليت الذي يستعمله الحكام لمسح فضلاتهم المتدفقة على الطبقات الكحيانة من الشعب،يتم ذلك عبر تغييب وعي الطبقة الوسخى و التي بدورها تقوم بطمس و تغييب وعي الطبقات الأدنى بحكم الاتصال المباشر اجتماعيا و ثقافيا فيما بينها،وعن طريق إثراء الطبقة المتوسطة بقدر كاف عبر القروض مما يؤدي إلى توسيع شريحة هذه الطبقة.
كثيرا ما يروج بعض المحللين أن معظم التحركات الشعبية تاريخيا و حاليا تتزعمها هذه الطبقة،ولكن في الحقيقة هي تنزل للشارع طلبا للفتات و الاستقرار و مزيد من الامتيازات البرجوازية.
لم و لن تكون أبدا ثورية، مضى عهد التحليل القديم الذي يعول على استقطابها للمشروع الثوري،أصلا تحركات هذه الطبقة الوسخى مطلوبة للحكام لتصوير الوضع كما ينبغي أن يكون بالنسبة للكادحين و أنه بنفس الطريقة سينالون حقوقهم، باللافتات و الصراخ في الشوارع بدل حرق جد أبيهم الكلب بــبُنوكهم و شوارعهم و سياراتهم و عماراتهم التي تعلو بلا حياء على أحياء صفيحنا..
لمّا يتحرك الجوعى فإنهم يتحركون فقط عندما تُمَسُّ احتياجاتهم في الحياة بصورة مباشرة، وهي بوطة غاز و قطع سكر و خبز و شاي و كارو كازا،أما التطبيب و التعليم فقد أصبح امتيازا، إن مرضنا فالله يشفين و القبور لا تزال بالمجان، على الأقل حاليا مادامت « قيمهم الأخلاقية » لا تزال تعفّ عن ترك الجثث تتعفن في الطرقات،وحين يتغير الأمر مستقبلا،لن يترددوا في ذلك…سيمرون في سياراتهم البلاستكية داسيا وهم يحملون أبنائهم إلى المدارس الخاصة، ويشيرون إلى جُثة لْعربي بائع الديطاي الممدة على جانب الرصيف: « اَه مات مسكين…دابا يغبّرو الدود يا ولدي و نتهناو »
لمّا يتحرك الجوعى من أجل جُغمة الشاي و نتْرة كازا،لا يجدون أي دعم من هذه الطبقة الوسخى،وهذا بديهي لأن احتياجات الأولين متضاربة مع مصالح الاَخرين،و لأن شكل الاحتجاج هو نسخة من تقاليد المتسلقين الموسخين،ولأنهم يحتقرونهم :
 » اه اه كثروا هاد البوزبال…كثروا غير كايولدو..خصهم يديرو الفيزا لهنا  »
وفعلا يسرعون في إقاماتهم المشتركة -التي تجمع بضع شقق حقيرة اشتروها بالتوسل للأبناك و لحس الكابا  -إلى تسييجها ووضع الحراس في الأبواب..كأنهم ينعزلون في جنة الرضوان…
الكَيتوهات مصيركم بعد عشر سنين يا مَن ،بجهلكم، في الشقاوة تنعمون !
وَدًّوا لو يعزلون حتى الهواء الذي نشترك فيه معهم..
لهذا تبقى حقوق الجوعى الحفاة منهوبةً و مسلوبةً،وإن فكروا في التصعيد حينها يظهر الوجه الحقيقي لهؤلاء الأطباء المحامون المعلمون التجار الفلاحون الصحافيون طفيليات الأبناك،حين يتكاثفون مع الطبقات الأعلى المخزنية.. و يصرخون في كل محفل: الفوضى.. الممتلكات العامة.. المصلحة العامة… الأمن العام…
يلعن بوكُم العام!
***
أنا فقير كادح،أُدينُ في طفولتي لوجبات علب السردين الطويلة الخضراء، و لوجبات وحيدة هي شايٌ و خبزٌ و زيتٌ،حتى العدس و اللوبيا كان ترفاً..لم أعرف طعمَ الفواكه إلا في مخلفات السوق الاسبوعي،
أُدين لساعدي حين عملت طفلاً وشابا في المقاهي و الفنادق و المزارع مقابل دريهمات.
أُدين لكتب إخوتي الكبار و ملابسهم التي توارثناها أخا عن أخ و أختا عن أخت.
أُدين للتحميرة و الأعشاب التي تلتقطها أمي حين أمرض،ولم ألج المستشفى إلا مرة واحدة و أنا فاقد للوعي وخرجت منه الصباح الموالي حين استفقت..
أنتمي للجوعى، للحفاة، للفقراء،لأولئك الذين، يا اَنسة ،كلما رأيت وجوهم الضامرة بارزة العظام تحضنين حقيبتك المقلدة، لأولئك الذين، يا فتى، كلما رأيتهم تحمد الله و القدر و تذلل والدك على أنك لست منهم قبل أن تعود لتبكي من أجل أكبر مشاكلك: جِلْ شعرك وخيانة صديقتك و عدم عمل سيديهات الإكس بوكس خاصتك.
أنتمي للحرافيش، للحرابيش،للهامشيين، للمُهمشين، للهشّ من البروليتاريا..وسأظل معهم إلى أن نعيش كلنا على الأرض بكرامة أو نحرقها بمن فيها.

Cet article, publié dans I Like, Ishare., est tagué , , , , , , , , , , , , , , , . Ajoutez ce permalien à vos favoris.

Laisser un commentaire

Entrez vos coordonnées ci-dessous ou cliquez sur une icône pour vous connecter:

Logo WordPress.com

Vous commentez à l'aide de votre compte WordPress.com. Déconnexion / Changer )

Image Twitter

Vous commentez à l'aide de votre compte Twitter. Déconnexion / Changer )

Photo Facebook

Vous commentez à l'aide de votre compte Facebook. Déconnexion / Changer )

Photo Google+

Vous commentez à l'aide de votre compte Google+. Déconnexion / Changer )

Connexion à %s